الانتخابات النيابية اللبنانية والمسار الأفضل لتفادي العزلة الدولية

غرازييلا سيف تشرح بدبلوماسيةٍ رؤيتها القانونية بين الالتزام الدولي والهوية الوطنية

رئيسة "إتحاد السفراء الدوليين في الولايات المتحدة الأميركية" الدكتورة غرازييلا سيف
0

غالباً ما تتحفظ رئيسة “إتحاد السفراء الدوليين في الولايات المتحدة الأميركية” اللبنانية الأصل الدكتورة غرازييلا سيف، في الحديث عن الشؤون السياسية الداخلية للبنان وتفضّل العمل بعقلانية وحكمة مزدوجة.

ومنذ اعتلائها الرئاسة أظهرت التزاماً أخلاقياً وقانونياً بالدفاع عن قيم النزاهة والعدالة. أما جنسيتها اللبنانية، فترى فيها “البوصلة التي توجه هذا الالتزام نحو وطني الأم المصدّر للنخب الفكرية بعيداً عن صور الأزمات”.

تقول: “أنا أوفّق بين المنصب والهوية من خلال الدبلوماسية الوقائية؛ فبدلاً من ان أكون طرفاً، أستخدم خبرتي لشرح أهمية التشريعات الدولية وكيفية التعاطي معها بإيجابية موضوعية. أنا لا أمثل لبنان في الاتحاد، بل أمثل العدالة الدولية في قضية لبنان وأخدم مصلحة كل مواطن يقصد العيش بسلام تحت سقف القانون”.

غرازييلا سيف، المتحدرة من اسرة كسروانية عريقة، إختارت، هذه المرة، أن تمتطي صهوة الفرس حاملة القوس، وصوّبت بـ”نشابة قانونية” باتجاه الانتخابات المقبلة، ليس كهدف، بل كرؤية واضحة ضمن لوحة فسيفسائة الكلمات، تعكس خارطة طريق للوضع الراهن في لبنان.

بمقال نشرته الدائرة الإعلامية لـ “اتحاد السفراء الدوليين في الولايات المتحدة الأميركية” (United Ambassadors-at-Large for Global Integration / USA)، برزت رؤيتها حول أسباب الالتزام الفوري بإجراء الانتخابات النيابية في لبنان قي شهر أيار، معتبرةً إياها أداة لا غنى عنها لتثبيت “التوازن الدقيق بين مقتضيات السيادة اللبنانية وضغوطات المجتمع الدولي”.

وقدم المقال قراءة موضوعية تحتّم التعامل مع المشهد الانتخابي بعين “دبلوماسية” تدرك أبعاد القوانين الدولية المستجدة، محذرة من انزلاق البلاد نحو الفراغ إذا لم يتم استدراك المخاطر.

تحديات مشروع القانون الأميركي H.R. 7311

وأشارت سيف إلى أن “مشروع القانون الأميركي المعروف بـ “قانون حماية نزاهة الانتخابات اللبنانية واقتراع المغتربين لعام 2026″، والذي تقدم به عضوا الكونغرس داريل عيسى ودارين لحود في الثاني من شباط 2026، يهدف إلى تحقيق “الديمقراطية الدولية” عبر فرض عقوبات صارمة على أي شخصية أو جهة تعرقل أو تؤخر أو تعيق العملية الانتخابية، مع تركيزٍ خاص على حماية حق المغتربين في الاقتراع بالتساوي، وتشمل العقوبات المتوقعة تجميد الأصول المالية، ومنع السفر، وحظر التعاملات التجارية، وهي تطال الأشخاص الطبيعيين والمعنويين على حد سواء”.

وأوضحت سيف أن “المشروع حالياً في مرحلة “الإحالة إلى اللجان” -(Referred to Committee)، وتحديداً لجنتي الشؤون الخارجية والقضاء في مجلس النواب الأميركي، وفي المراحل اللاحقة، يتطلب المرور عبر التصويت في مجلسي النواب والشيوخ، وصولاً إلى توقيع الرئيس ليصبح نافذاً”، (مما يتطلب وقتاً أبعد من شهر أيار المقبل)

حكمة الاستباق وتفادي الصدام

في هذا السياق، أبدت سيف تفهمها لموقف دولة رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري وإصراره على عدم إرجاء الانتخابات، ولو لأسباب لوجستية؛ معتبرةً أن هذا القرار ليس مجرد إجراء إداري، بل هو “خطوة استباقية لتفادي الصدام المباشر مع مفاعيل القانون الأميركي قبل نفاذه”. فبإجراء الانتخابات في موعدها ينتقي السبب الرئيسي للقانون، بالتالي لفرض عقوبات قد تشل ما تبقى من حركة مالية أو سياسية للشخصيات اللبنانية، ويحمي المؤسسة التشريعية من تهمة “التعطيل”.

اقتراع المغتربين: العودة إلى نظام الـ 128 نائباً

وحول آلية اقتراع المغتربين (الـ 128 نائباً مقابل المقاعد الستة)، ترى سيف، انطلاقاً من موقعها الدولي، أن الأنسب لتفادي الضغوط الدولية وضمان المساواة هو اعتماد التصويت على أساس الـ 128 نائباً (في دوائرهم الأصلية) بدلاً من حصرهم في 6 مقاعد للقارات.

وترى سيف أن “المساواة القانونية” تتحقق بدمج المغترب في نسيج دائرته الأم، مما يمنحه وزناً سياسياً حقيقياً وتأثيراً مباشراً. كما نبهت إلى ضرورة تجنب “العزلة الدولية”، إذ إن تخصيص مقاعد عبر “الدائرة 16” قد يُفهم دولياً على أنه محاولة لتحجيم تأثير الكتلة الناخبة الكبيرة في الخارج.
“هناك حوالي 15 دولة في العالم تخصص مقاعد برلمانية للمغتربين، وأبرزها النموذج الفرنسي حيث يخصص البرلمان الفرنسي 11 مقعداً لنواب يمثلون الفرنسيين المقيمين في الخارج. في فرنسا، العالم مقسم إلى 11 دائرة؛ فمثلاً الدائرة العاشرة تضم (لبنان، دول الخليج، وأجزاء من أفريقيا).وقد استقبل اتحاد السفراء الدوليين بالإنتخابات الفرنسية الأخيرة، المرشحين عن الإغتراب الفرنسي في مكتب بيروت، لتقديم التسهيلات اللوجستية لحملتهم الإنتخابية، حيث انتخب الفرنسيون في لبنان نوّاباً يمثلوهم مباشرة في الجمعية الوطنية بباريس وفي مجلس الشيوخ بحسب الدائرة الواحدة”.

وتضيف: “الفرق الجوهري بين لبنان والدول التي تعتمد مقاعد مخصصة للمغتربين، يكمن في أن مغتربي تلك الدول يعيشون في بيئات مستقرة، بينما المغترب اللبناني هو “رئة لبنان المالية والسياسية”، وارتباطه بمدينته وقريته أقوى من ارتباطه بقارة إقامته. وبما أن أعداد المغتربين تفوق أعداد المقيمين، فقد يكون المخرج النهائي هو العودة “مُجبرين” إلى نظام الـ 128 نائباً بذريعة ضيق الوقت التقني لإنشاء الدائرة 16، وهو ما قد يُرضي الخارج ويُجنّب السلطة صدام العقوبات”.

بين الاستحقاق الدستوري ومخاوف الفراغ التنفيذي

من جهة أخرى، ومع تأييدها لإجراء الانتخابات في موعدها، أعربت سيف عن قلقها على المؤسسة التنفيذية، قائلة: “كنت أفضل لو أتيحت الفرصة للثبات على مستوى رئاسة مجلس الوزراء لاستكمال الاستحقاقات القائمة؛ فبمجرد إجراء الانتخابات، تُعتبر الحكومة مستقيلة حكماً. وفي ظل الآراء المختلفة، نخشى من شلل “الرئاسة الثالثة” والدخول في نفق الفراغ الحكومي، مما يعرّض البلاد لهزات سياسية واقتصادية جديدة”.

مخاطر المادة 206 من قانون IEEPA

أكدت سيف أنه من منظور السياسة الدولية، تظل “الإرادة الواضحة” لإجراء الانتخابات هي “الحصن” الأخير لشرعية الدولة. وأي تأجيل ممكن أن يُفسر في واشنطن كفعل “عرقلة متعمد”، مما يفتح الباب أمام تطبيق المادة 206 من “قانون القوى الاقتصادية الدولية الطارئة” (IEEPA)، وهذه المادة هي “المحرك التنفيذي” التي يستند اليه المشروع المذكور ومعظم قوانين العقوبات الأميركية، تحت العنوان الأكبر”تهديد غير عادي للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة”، وهو الأخطر تجاه لبنان.

وتمنح هذه المادة رئيس الولايات المتحدة سلطات واسعة لفرض غرامات مدنية وعقوبات جنائية، مع تجميد الأصول وحظر التعاملات المصرفية على أي شخص أو جهة تدرج على اللائحة السوداء، مما قد يعرّض لبنان لعزلة مالية تامة.

وتختتم سيف قائلة: “أظن أن الرئيس بري يدرك أن المادة 206 لا تميز بين التأجيل التقني والسياسي، وأن استباق لبنان لهذه المادة هو المخرج و”الدفاع الشرعي” عن سيادته”.

بناءً عليه، تقتضي المصلحة الوطنية العليا المضي قدماً بالاستحقاق “وفق المعايير الدولية”، مع ضرورة تأمين توافق سياسي مسبق على شكل الحكومة المقبلة لتجنب الفراغ ولمتابعة كل ما التزم به لبنان تجاه المجتمع الدولي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.